يذكِّر كتاب الدكتورة عايدة النجار الصادر حديثا، “عمّان بين الغزل والعمل”، بالانطباعات التي تصنعها كتب الرحلات، حيث تمتزج الدهشة بمتعة التعرُّف إلى الأماكن والناس. سوى أن الكتاب يأخذنا إلى مكان قريب قرب الروح: عمّان. ولكن، حتى العمّانيين الذين ولدوا في المدينة وكبروا معها، سوف يعيدون مع الكتاب اكتشافها ونسج علاقاتهم بها في ضوء مختلف.

ليس الكتاب تأريخا جافا لعمان وناسها، لكنه تأريخ لعمّان وناسها مع ذلك. وما هو رواية ينتظمها حبل قصٍّ وحبكة، لكنه يروي حكاية المدينة. ولا هو بحثا اجتماعيا صارما، لكنّه يستعير كثيراً من سمات البحث الاجتماعي. ولا تنتظم عناوينه الكثيرة تسلسلا محسوبا مقنَّنا، لكنَّ موضوعاته تتفارق وتعود فتتكامل بغزل حكواتية بارعة تعرف كيف تستنفر الشغف. ويبدو الارتحال في الكتاب، أشبه بأن تقرر الخروج مع صاحب في مشوار غير مخطط، وتتركان للطريق أن تأخذكما في المدينة حيثما يذهب الطريق بلا ترتيب، مع الاستمتاع بالحرية التي يصنعها التجوال الطليق. هكذا تتداعى الانطباعات والموضوعات بحرية هي الأخرى في الكتاب، وتتدفق كيفما تشاء.

للأجيال الجديدة من أهل عمّان، سوف تؤصِّل لهم عايدة النجار الأماكن التي يمرون بها في مدينتهم -من الأدراج القديمة إلى المقاهي والدارات- مرور غير المنتبه. وللذين يترددون على عمان من غير أهل عمّان، سوف يبحثون بعد القراءة عن معالِم كثيرة لم يكتشفوها من قبل، وسوف يلتقونها بألفة المعارف. ولقارئ الكتاب الذي لم يزُر عمان، فإنه يقرأ الكتاب فيكون كمَن زارها، بل وأقام فيها، ويمكن أن يتحدَّث عنها بعد ذلك حديث العارف.

يأتي أسلوب التجوال الحر الذي في هذا الكتاب منسجماً مع أعمال سابقة تعقبت فيها عايدة النجار الصلة بين التاريخ والمكان والإنسان، مثل كتبها “بنات عمّان أيام زمان: ذاكرة المدرسة والطريق”؛ “القدس والبنت الشلبية”؛ و”لفتا يا أصيلة (خرّيفية قرية). وفي كل هذه الأعمال، خفَّفت حميمية العرض من تجهم التوثيق الكثيف، وسار السرد الشاعري يداً بيد مع الإحصائيات والحقائق، فاشتبكت التسلية مع المعرفة.

يجيء الكتاب في خمسة عشر فصلاً، يتناول كلٌّ منها مجموعة من العناوين الفرعية. من هذه الفصول، مثلاً، “عمان المكان”؛ “دُور عمان القديمة تحكي القصص”؛ “ثقافة المقاهي في عمان القديمة/ الجديدة”؛ “عودة لقاع المدينة”؛ “غزل الأدراج”. ومع تعاقب الفصول تتخلَّق عمّان بشخصيتها وتحولاتها وزواياها. ويحضُر العمّانيون الذين شكلوا جزءاً من تكوين المدينة وتاريخها في العرض لتكتمل حيوية المكان. ولأنّ عمّان مدينة جبال، فإن لأدراجها حكايات وسكان ومعالم، وهي التي يسيل منها الجبليون ليملؤوا “قاع المدينة” بالحياة.

بالإضافة إلى النصوص، يضم الكتاب مجموعة من الصور القديمة والحديثة لمعالم المدينة وناسها. وتحاول هذه الصور أن تضيف إلى المشهد البصري الذي يتكوّن في المخيلة أساساً من السرد. وعلى سبيل المثال، يعرض جانب من الصور “جرافيتيات” عمّان وفنّ الشارع، التي لا يعرف معظمها سكان المدينة أنفسهم. ويعرض قسم آخر بيوت عمّان القديمة التي كان لا بُدّ أن تلفت بعمارتها انتباه المارة، والتي تحوّل بعضها إلى مؤسسات فنية أو ثقافية. ويعرّفنا قسم آخر بأشخاص ومجاميع صنعوا جزءاً من تاريخ المدينة، إلى جانب استكشاف عمّان المكان، تعرض عايدة النجار لثقافة المدينة وشواغل أهلها. وتفرد مساحات لرصد التغيرات في اتجاهات الموضة ومظهر المرأة في عمان وعلاقتها بتغير الأفكار؛ وتتحدث عن تطور المؤسسات المالية والفنادق والمقاهي والعادات الاجتماعية؛ وتمر بثقافة الطعام وهواجس السياسة ومرافق التسلية ووسائل المواصلات ومؤسسات التعليم ومناهجه، وكل تفصيل يمكن تخيله في المدينة.

يستحيل عرض المادة الكبيرة والمتنوعة التي يضمها الكتاب في عجالة كهذه. لكن الباحث عن التعرُّف إلى عمّان بطريقة أكثر عمقاً وحميمية، سيجد دعوة مرحبّة بين دفّتيه، والتي يصحبه فيها دليل بارع. وسينتهي التجوال مع عايدة النجار في “وسط البلد”، قلب عمان:

“عمّان اليوم بأدراجها التي أخذتني في رحتلي في هذا الكتاب، للجبال ومناطقها المتوالدة من عمّان القديمة والجديدة، تعيدني أيضاً إلى قاع المدينة، حيث بدأت المشوار. فما تزال معالم وسط البلد التي عرفتها، تحمل ذاكرتي وذاكرة الأجيال. فعمّان التي كبرتُ فيها أصبحت لي ولغيري المكان الدافئ الحميمي، تكبر وتتجمل بثقافة صناعة المستقبل والحياة الأفضل التي نريد”.


علاء الدين أبو زينة
المصدر

Leave a Comment

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

Comment