رحلت الدكتورة عايدة النجار عن عالمنا قبل عدة شهور, وبقيت مؤلفاتها تأريخاً اجتماعياً مهماً عن الحياة في عمان والقدس, وذلك خلال خمسينيات القرن الماضي.. عبر ما سردته عن حياتها ورفيقات دربها المدرسي.

وبالرجوع الى كتاب ذكرياتها النسائي المتميز» بنات عمَّان أيام زمان» تأخذنا الكاتبة النجار الى موقفٍ من ذاكرة مدرسة زين الشرف الثانوية, التي درست فيها وتخرجت فيها للذهاب بعد ذلك للدراسة الجامعية – علم الاجتماع – في جامعة القاهرة, وذلك بفترة منتصف خمسينيات القرن الماضي.

التخرج الى مدرسة الحياة

تحت هذا العنوان تروي ما حدث من إلغاء حفل تخرج طالبات الثانوية العامة من مدرسة زين الشرف الثانوية للبنات الكائنة قرب الدُّوار الاول في جبل عمان حيث تسرد قائلة:

رحمة الله عليك يا «بشير خير»… ولكن ما ذنبنا أن تُلغى حفلتنا التي انتظرناها سنين طويلة!؟.

لا شك أن هناك تفسيراً لهذه الحادثة، التي تركت آثاراً عميقة في نفوس الطالبات.. فالعلاقة الاجتماعية في عمَّان بين الناس كانت قوية ومترابطة، وكأنهم أقرباء، وإن لم يكونوا من عشيرة واحدة أو حتى جيرة واحدة.

فمشاعر الحزن والفرح في مجتمع مثل مجتمع عمان، تتشكل بشكل جمعي تفرضها العلاقات الاجتماعية والإنسانية. ولم يعترض الأهالي على إلغاء حفلة التخرج المتوقعة، وإن خاب ظنهم، ولم «تتظاهر» البنات المعنيات بالأمر، أو يرفعن الصوت محتجات، بل أذعنَّ للأمر الواقع ولخيبة الأمل التي شكلت «عقدة» لدى البعض منهن، فقد شاركت بنات المدرسة والأهالي (آل خير.. والشريقي) آلامهم, و كأن أهل عمان جميعاً من عائلة واحدة ومن أهل العزاء.

فقد فرضت العادات والتقاليد هذا التصرف الملتزم بالأخلاق والقيم الاجتماعية على الأهالي ليكون نوعاً من التعاطف مع المديرة، خاصة وأن الجميع يحسب لها حساباً كبيراً لمركزها كمديرة، وكأم ثانية بديلة في المدرسة، بفضل الثقافة العربية والإسلامية والاحترام المتجذر في قول الشاعر أحمد شوقي:

قُم للمعلم وَفّه التبجيلا/ كاد المعلم أن يكونَ رَسُولا

عرس بدل التخرج!

وتتذكر جدات اليوم طالبات الأمس بين هرج ومرج وتتقاطع الأصوات مع بعض.. فتضحك «سعاد السيد» وتقول بلهجة مصرية، اكتسبتها من السينما المصرية، «يا فرحة ما تمت»! وتخرج من «شنطتها» مجموعة من الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود لبنات الصف.. إحداها تجمع عدداُ يلبسن فساتين بیضاء، وكأنها «بدلات عرائس» تظهر البنات فيها كالفراشات البيضاء المستعدة للإنطلاق للسماء، للبحث عن طرق جديدة في دروب الحياة بعد التخرج الذي حلمن به.

وتفسر سعاد قائلة: هذه الصورة الجماعية بالفساتين البيضاء هي الفساتين التي أعددناها للتخرج، وقد لبسناها لحضور خطبتي, التي تمت في بيتي في جبل اللويبدة بدل حفلة التخرج،.. «الفرحة إللي ما تمتش».

وكانت سعاد أول بنات الصف تتزوج بعد التخرج. وتتوالى التعليقات من جديد ويتذكرن الإستعدادات للحفلة الملغاة، وخاصة الفستان الأبيض.

وتشير سعاد: هذا نفس الفستان الذي أعددته لحفلة التخرج، فيما عدا الطرحة على رأسي! وقد اشتريت القماش (النايلون المبزر) وكان آخر موضة من «محلات الحايك»، وحاكته لي الخياطة (بوفيليه) وكانت تسكن جيل اللويبدة.

شهيرات الخياطات في عمان

وتقاطعها ربيعة لتقول:

خياطتي كان اسمها (كرنيكيه) وهي أرمنية. وأيضا كان هناك «مدام زارو بلتكيان» المتخصصة في خياطة فساتين الأعراس، و«فرونیكا يسيان» أم تانيوس, وكن يقطن في جبل الأشرفية بعمان.

وتقول سعاد عزيزية: موديل فستاني الأبيض كان (كلوش.. واشتريت القماش من «محلات بايزيد وبدير» في سوق منكو.

وتقول رجاء: كان فستاني من قماش الحرير النباتي، إشتريته من «محلات حتاحت» وهو قماش مستورد من فرنسا.

وتتذكر لميس عطية: فستاني الأبيض خيطته لي الخياطة «طاهرة أردكاني» وكان مودیله كلوش وتحته بطانة ثقيلة, وكان فستاني من غير أكمام (جابونيز).- وتتعالى الأصوات.. وأنا أيضا-.

أما ذاكرتي فلم تنسى ذلك الفستان الأبيض الجميل الذي خيطته لي «مزين البرق» وكان بيتها في شارع الشابسوغ أمام موقف باص الزرقاء.. وأتذكر أنني اشتريت القماش من محلات حتاحت في سوق منكو.

وقد «زهقّت» الخياطة لمروري كل يوم لأطمئن علي فستاني قبل أن آخذ الباص للزرقاء. وقد أصررت أن أميزه بوضع شبر مخمل أسود «فيونكة» عند القبة, وكنت مغرمة بتزيين القبات حتى قبة المريول البيضاء، حيث كنت دوما أزينها بدبوس صغير على شكل طير أليف.

وموديلات الفساتين البيضاء كانت متشابهة لأكثر البنات، وكأنها موديل موحد. فالقليل من الفساتين، حاكتها الأمهات على «ماكنة سنجر» في البيت، لأن الأهالي كانوا يحرصون في هذه المناسبة على خياطة فستان التخرج عند خياطة متخصصة ومعروفة، لإبراز جمال البنات خاصة!!.

فقد كان من عادة بعض النساء خلال حضور حفلات التخرج ان تبحث الأم عن عروسة جميلة لابنها في سن الزواج.. وكان الشباب يبحثون عن البنات اللواتي يتبعن «الموضة» ويدل مظهرهن على «التمدن» ويختلفن عن الأمهات والجدات. وكان هذا واضحاً في موديلات الفساتين ذات الأكمام القصيرة، والضيقة عند الخصر.

وبعض البنات كن محظوظات أن الفستان الأبيض حاكته إحدى الخياطات المعروفات اللواتي كن يخيطن الملابس لسيدات الطبقة الراقية، ومن الخياطات أيضاً «كوكب العقروق» وكان منزلها يقع في شارع الملفوف، المتفرع من طلعة جبل عمان، قبل ان تفتح محلاً راقياً في آخر طلعة جبل عمان عند الدوار الأول، وقد استقطبت أكثر زوجات الوزراء والمسؤولين.

وكذلك «نشأت عبده» وهي شقيقة سميحة عبده المعلمة في مدرسة زين الشرف، وكانت تسكن بجوار المدرسة. ومن بين «الخياطات» عدد من الأرمنيات اللواتي أتقن المهنة، وكذلك من الشركسيات، ومنهن «نظمية أباظة» وكانت أجرة خياطة الفستان تتراوح بين (1٥-7٥) قرشاً في الخمسينيات.

أشهر محلات الملابس قديماً

لم تكن التلميذات الخريجات فقط المشغولات أو «المعجوقات» للتحضير لحفلة التخرج، بل كانت الأمهات اللواتي سيحضرن الحفلة أيضاً. فالبعض منهن كُنَّ يشترین الفساتين الجاهزة من المحلات القليلة التي تستوردها من الخارج، ومنها محلات «كليو باترا» مقابل البريد، و«الحايك» في جبل عمان.

وفساتين الأمهات في الخمسينيات كانت رزينة، وذات ألوان غامقة وراكزة، مثل البني والرمادي والزيتي، ولم تلبس الأمهات اللون الأحمر بعد سن الأربعين.

وكانت موضة الفساتين تختلف عن فساتين بناتهن الأكثر تمشياً مع الموضة، والأكثر تأثرا بالمجتمعات الغربية؛ مثل فساتين نجمات السينما التي بدأت تتسرب وتؤثر في تغيير العادات والتقاليد.

ففساتين الأمهات كانت بشكل عام فضفاضة، وترتفع القبة لتغطي العنق، وطويلة لنصف الساق أو كله، والأكمام طويلة.. بينما أخذت فساتين البنات تقصر, والأكمام فوق الكتف وكانت تسمی (جابونيز) نسبة لأكمام نساء اليابان، مع بقاء بعض بنات المدرسة ملتزمات باللباس التقليدي مثل الأمهات.

والبعض القليل من النساء كن وما زلن يغطين الوجه بالشيفون الأسود الرقيق, الذي يزيد من الجمال الغامض تحته، ويولد حب الاستطلاع «والبحلقة» بدل غض البصر.

إلا أن «الملاية» قد انقرضت بشكل عام بين بنات المدرسة إلا القليلات.. لأن ذلك الجيل في الخمسينيات انتقل إلى جيل معاصر متغير، يتأثر بالتطورات الحديثة.

لقد كشفت بنات صفي في جلسة الذكريات عن تجارب كنا نحلم بها بشكل جمعي, كالحفلة التي لم تتحقق، ليتبين أن كل واحدة منَّا كانت تنتظر تجارب تقوم بها لأول مرة في حياتها.

موضة حذاء الكعب العالي

تقول «أمل قدري»: كنت أحلم بلبس الكعب العالي لأول مرة، وقد فصّلت «كندرة» عند «محل بوغوص» لونها أبيض لتتلاءم مع الفستان، وكان الكعب «تخين» طوله (10) سم، وبقى الحذاء عندي لأصطحبه معي للجامعة وكان لحذائي دور في شياكتي وقد جعلني أبدو أطول قامة مما أنا عليه.

وتقول سميحة برغلي: كنت أقفل الباب في البيت، وأتدرب على المشي بحذاء أمي ذي الكعب العالي، بعد أن فصّلت حذائي أخذت أتدرب عليه.

تتذكر سعاد عزيزية: حفظت الدرس جيداً وأنا أمشي منتصبة القامة فخورة أحلم أنني أستلم شهادتي.

وتقول د.عايدة: وتذكرت مع الصديقات كيف أخذت حذائي معي للمدرسة لأريه لصديقاتي، قبل أشهر من موعد حفلة التخرج، ولنتشارك بحلم كان يراودنا.

أما سعاد السيد التي سبقت الجميع لتصبح «عروساً»، بعد التخرج فلم تنسى أبداً المناسبة لتقول: استعملت الحذاء الأبيض في «حفلة خطبتي» وبعدها.

وتتذكر أخرى: كنت أحلم بحذائي الجديد، وأستيقظ ليلاً أتفقده.. وظل أول حذاء أبيض عندي لعدة سنوات بعد التخرج.

وزادت خيبة الأمل وربما كان حلم الكثيرات بأن هذا الحذاء سيكون مثل حذاء «ساندريلا»، وبواسطته تجد الحالمة فارس أحلامها.. وبإلغاء الحفلة ضاعت هذه الفرصة الذهبية الخيالية، كما ضاعت فرصة لبس «جربان» النايلون لأول مرة أيضاً، وضاعت الأحلام بأن يكن بين المرشحات لعريس يبحث عن زوجة جميلة.

حلم آخر للبنات كان قوياً هو وضع المكياج من بودرة وأحمر الشفاه والكحلة أو خط القلم الأسود حول العيون، وترتيب الشعر عند صالون التجميل، وكانت صالونات تصفيف الشعر قليلة.. ولم تمر البنات بهذه التجربة من قبل لأن ذلك كان يعتبر عيباً في سن المدرسة!.

وكانت نساء عمان يشترين أدوات الزينة المستوردة من «محلات حداد وشعشاعة» مقابل البريد، ومنها ماركات (اليزابيث آردن) و (كريستیان ديور) ومن الروائح الذكية «البيرفيوم» الفرنسية (شاليمار).

ومن الطريف أن الجدات طالبات الخمسينيات لم ينسين كثيراً بعض التفاصيل الدقيقة، حيث تعلق «رجاء ملحس» بقولها:

كنت أنتظر هذه المناسبة لأذهب لصالون التجميل (الحسناء) أو (هانس) في طلعة جبل عمان، وهو قريب من بيتنا قرب طلعة الحايك، لكي أفرد شعري الذي كان وكأنه مكوي.. وقد اتهمتني المديرة «أميرة الشريقي» مرة أنني أقوم بكي شعري ليظهر مثل شعر الممثلة الطفلة الجميلة (شيرلي تمبل) وكانت موضة كَيْ الشعر قد انتشرت بين النساء في تلك الفترة.

إلا أنها تأكدت أن شعري كان طبيعياَّ عندما شدته وتفحصته! وأنه لم يكن على الموضة مثل شعرها الأنيق.. وأحسست آنذاك وكأنها إحدی «الحموات» تشد شعر البنت عند «فحصها» كعروس مرشحة لابنها كما كانت تفعل الكثيرات من «الخاطبات». وتذكرت بدوري كيف كنت أهتم بشعري بعد غسله بالصابون النابلسي وكان غزيراً وكأنه مكوي على الموضة.

وتظل الذكريات ترتبط بحوادث مميزة يتكرر ذكرها لأن لها خصوصية. فذاكرة إلغاء الحفلة ربطت بنات الصف برباط عاطفي قوي لتصبح مخزون ذاكرتهم الجمعية في المستقبل وقد أصبحن جدات، يتذكرنها كلما حضرن حفلة تخرج أو ذكرنها للأحفاد.

ورغم عدم خوض بنات الصف في تجربة حفلة التخرج إلا أنهن كن على دراية بالبرنامج الذي سوف يكون مثل برنامج حفلات التخرج التي أقيمت للصفوف السابقة. وقد ظلت هذه الحفلات مصدر سعادة وخزان ذكريات جميلة يروينها للأحفاد، ويحتفظن بصور التخرج في براویز أو في البومات عتيقة.

وليد سليمان

المصدر

Leave a Comment

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

Comment